ماتعلمناه قبل أن نفهمه
لم يكن هناك كلام طويل عن الأناقة، ولا حديث كبير عن المعنى. كانت الأشياء تحدث أمامنا فقط، بهدوء، حتى صارت مع الوقت جزءًا من ذاكرتنا
قبل أن نفهم الذوق، كنا نقلّده فقط، كل صباح عيد نتأمل الأب بتفاصيل دون أن نعرف أننا نتعلم أي شيء، كيف يلبس ثوبه، كيف يختار ساعته، كيف يضع العطر قبل الخروج، وكيف يقف أمام المرآة بهدوء لأن هذا جزء من طريقته في الحضور.
لم يعلمنا أحد أن هذه التفاصيل مهمة، لم يكن هناك كلام طويل عن الأناقة، ولا حديث كبير عن المعنى. كانت الأشياء تحدث أمامنا فقط، بهدوء، حتى صارت مع الوقت جزءًا من ذاكرتنا.
كثير مما نظن أننا اخترناه لاحقًا بدأ هناك، في بيت يستعد للعيد، في البشت المعلق بصمت، في رائحة عطر تمر قبل أن يخرج أحدهم من الباب، وفي رجل لا يشرح أحياناً، لكنه يترك خلفه طريقة كاملة في العيش.
ربما لهذا تبقى بعض تفاصيل العيد ثابتة مهما تغيّرت السنوات، ليست لأنها عادات فقط، بل لأنها تحمل وجوهًا وأصواتًا وطرقًا قديمة في الفرح، والرغبة البسيطة في أن يظهر الإنسان بأفضل صورة أمام من يحب.
هناك نوع من الفرح لا يحتاج إلى ضجيج، يظهر في أن تجهز نفسك، أن تتأنق، وتواجه الناس بقلب حاضر، وأن تفهم أن مشاركة الفرح واحدة من أجمل صور الاحترام.
وهذا، بطريقة ما، مما علّمنا إياه الآباء في حضورهم الصامت، في ترتيبهم للأشياء البسيطة، في سلامهم على الناس، وفي قدرتهم على جعل الفرح يبدو آمنًا ومألوفًا.
مع الوقت، يبدأ الإنسان بملاحظة أن بعض ما يفعله اليوم بشكل تلقائي لم يبدأ منه فعلًا، كان يومًا ما جزءًا من رجل كان يراقبه بصمت وهو أصغر سنًا، لأن أحدهم عاشها أمامك بما يكفي.


